الرئيسية / سنة الإيمان / موعظة السفير البابوي- قداس افتتاح سنة الايمان

موعظة السفير البابوي- قداس افتتاح سنة الايمان

009مقدمة
“أذهبوا الى العالم أجمع وأكرزوا بالانجيل للخليقة كلها” (مرقس 16/ 15). هذه هي وصية الرب القائم من بين الاموات الموجهة لنا، نحن مسيحيين الألف الثالث.
ينبغي علينا أن نجدّد حماسنا وطرق التبشير بالانجيل. وبهذه المناسبة، كما تعرفون، ينعقد في روما مجمع الاساقفة للفترة من 7 – 28 أوكتوبر تحت شعار “التبشير الجديد لتوصيل الايمان المسيحي”.
وفي الوقت نفسه، تريد الكنيسة وقداسة الحبر الأعظم البابا بندكتس السادس عشر، أن يُذكرنا بالحدث الكبير من القرن الماضي، وهي ذكرى مرور خمسون سنة على افتتاح المجمع الفاتيكاني الثاني، الذي أعطى لحياة الكنيسة الجامعة حيوية جديدة. فكيف نستطيع اليوم ان ننقل الايمان الى الآخرين إذا لم يكن إيماننا حياً وعميقاً؟
في رسالة البابا “باب الايمان” التي أعلن فيها سنة الايمان يكتب ما يلي: “تجدّد الكنيسة يقوم أيضاً من خلال حياة المؤمنين. فالمسيحيون بتواجدهم في العالم يعملون وفق دعوتهم كي تسطع كلمة الحق التي تركها لنا الرب يسوع المسيح” (باب الايمان، رقم 6). وفي الارشاد الرسولي للكنيسة في الشرق الاوسط، التي وقعها البابا قبل اسابيع في لبنان، يحدّد: “ان التعمق في حياة الايمان الفردية والتجدّد الروحي داخل الكنيسة الكاثوليكية سيسمحان ببلوغ ملىء حياة النعمة والتأله وهكذا تكتسب الشهادة مصداقية” (أرشاد رسولي من أجل الشرق، رقم 3).

الايمان بالله – المحبة
وأنا أتأمل في معنى “سنة الايمان” سألتُ نفسي: هل أنا مؤمن حقيقي؟ فعرفت بأن هناك أجابتين على هذا التساؤل: أما أن أكون مؤمناً أو لا أكون مؤمناً! وما هو الاختلاف بين الايمان وعدم الايمان؟ ما الذي يجب ان يتغير في حياتي عندما أومن؟ فالايمان هو: “هبة من عند الله الذي يُناشد حريتنا وينتظر منّا جواباً” كما يقول البابا في الارشاد الرسولي “الكنيسة في الرشق الاوسط” (رقم 3).

علينا وقبل كل شيء أن نسأل أنفسنا: ما هو الايمان؟ “الله محبة” (1 يو 4/ 16)، يلخص بايجاز الانجيلي يوحنا في رسالته الأولى.
فهل حبُّ الله حيّ في أو فينا؟ وما الاختلاف الذي يوجد بين الايمان بحبّه وعدم الايمان؟ الايمان بمحبة الله يعني الايمان بعنايته الإلهية، رغم كلّ شيء! يعني الايمان أذن بان ما من شيء يقع صدفة، بل أن كلّ شيء مراد وموعود بحبّه. الايمان “بالله – محبة” يعني أن نمتلك اليقين بان كلّ ما يحدث لي، كلّ شيء هو من أجل خيري! يؤكد الرسول بولس بأن “كلّ الاشياء تعمل معاً من أجل خير الذين يؤمنون بالله” (رومية 8/ 28).
هذه هي قناعة الكثيرين من القديسيين، والفكرة التي سمحت للكثيرين لعدم الاستسلام أمام الصعوبات. كثيرة هي الشهادات. القديس جوليانا النرويجية مثلاً، كانت تقول: “تعلمتُ من نعمة الله البقاء ثابتة بالايمان، وأن أومن بصورة راسخة وكاملة فان كلّ شيء ينتهي للخير”. القديسة كاترينة السيانية والتي عاشت في زمن كانت الكنيسة تمرّ به في أزمة، كانت تقول: “كلّ شيء يأتي من محبة الله، وممنظم نحو خلاص الانسان، فالله لا يعمل شيء إلا لهذه الغاية”.
هذا ما نحتاج إليه اليوم، هنا في العراق، في بغداد، أن نبقى نجدّد إيماننا بالعناية الالهية، بمحبة الله! لقد كان القديس توما الاكويني مقتنعاً بأن: “لا شيء يحصل إذا لم يريده الله، وأنا واثق بأن كلّ شيء، حتى السيء منه، سيكون من أجل الخير (الافضل)”.

الجواب على محبة الله
الايمان بمحبة الله يعني أذن أن نسلم أنفسنا لإرادته، ولكن ليس بالمعنى السلبي كما يُعتقد: “كان يمكن للأشياء أن تكون أحسن، ولكن للأسف أنها على هذه الحال، فلتكن مشيئتك!” لا، إن هذا هو الخنوع، وهذه هي القدرية. لا يجب أن نكون خانعين أمام إرادة الله، بل علينا أن نفكر بأننا يمكن أن نكملها. فلا يوجد أجمل، وأعظم، من عمل مشيئة الله. ففي مشيئته سلامنا! يجب أن تعرفوا باننا جميعاً، في كلّ لحظة، نستطيع أن نعمل مشيئة الله. فمشيئة الله ليست حكراً على القديسيين، والابطال، والمكرسين، والكهنة: جميعناً، أباء وأمهات، أولاداً، أساتذة وعمال، شرطة ومسجونين، جميعنا، في هذه اللحظة الحاضرة، يمكن أن نعمل إرادة الله وأن نجيب بواقعية، على حبّه. أليس هذا جميلاً؟ أليس هذا معزياً؟ نعم، أننا نبرهن على إيماننا بمحبة الله عندما نتمّم بفرح واجباتنا اليومية، عارفين بأنها إرادة الله لنا وأن نقبل كلّ ما يحدث طارئاً كعطيّة حبّه لنا. فإذا أتممنا دورنا، فإننا على يقين بان الله سوف يعمل دوره وسيستمر بقيادة تأريخنا، وحياتنا بعناية محبته الالهية.

خصوصية الايمان المسيحي
إن الايمان بمحبة الله هو شيء عام وموجود في كل الأديان. فأخوتنا المسلمين يؤمنون بان الله رحمان رحيم. ولهذا علينا أن نسال انفسنا: أين تكمن أذن خصوصية الايمان المسيحي؟
“الله محبة” لانه واحد وثالوث. فالاقانيم الثلاثة في الثالوث الاقدس، التي هي إله واحد، تعيش (حركة) حبّ أبدية. ولا يمكن للحب أن يكون أبدياً إذا لم تكن العلاقة أبدية. ولكن كيف يمكن الايمان بشيء من هذا القبيل؟ كيف يمكن فهمه، أو تصور ان الله الواحد مكون من ثلاثة أقانيم وأن الثلاثة هي إله واحد؟
أن إيماننا المسيحي لا يمكن فهمه بدون الوحي الالهي. فابن الله نفسه هو الذي عرّفنا باعماق الله وقلبه. يتأسس إيماننا على حدث: قيامة المسيح، ابن الله المتجسد: “فإذا لم يقم المسيح من بين الاموات، فإيماننا باطل وكرازتنا باطلة” (1 كور 15/ 14).

المصلوب – القائم هو أساس إيماننا
المسيح القائم هو نقطة الانطلاق (لفهم) إيماننا! ليس الايمان بالقيامة شيئاً يمكن البرهنة عليه (عقلياً). ولهذا فأن الايمان هو عطيّة. لقد تسلمنا الايمان، وقبلناه، وأتحدنا به، ليس للثقة التي كانت لنا بوالدينا، بل لاننا أختبرناه. لقد تحققنا من العيش بإيمان يختلف عن العيش بدونه! فالايمان يغذي الايمان. “ينمو الايمان عندما نعيشه كحبّ نتقبله وعندما ننقله كخبرة نعمة وفرح” (باب الايمان، رقم 7). “فمَن يحبني يحبّه أبي وأنا أحبّه وأعلن له ذاتي” (يو 14/ 21). لقد آمنا لاننا أختبرنا المحبّة. آمنا لاننا أحببنا. عشنا الفرق بين أن نحب وأن لا نحب. أن شهادة العديد من الشهداء والقديسيين رسختنا في الايمان، ولهذا يجب ان نعيش إيماننا لنصير شهوداً بدورنا! فمن هم المؤمنون بالله؟ أنهم شهود لمحبة الله! لا يمكننا أن نشرح غيماننا بالكلمات، ولا يمكننا أن نُقنع الآخرين بالبراهين العقلية: نستطيع فقط أن نشهد للحبّ، وهو الذي يبعث الايمان (في النفس).
وأنا أصغي الى شهادات بعض السوريين اللاجئين في الاردن روعني ما سمعت وأعرف جيدا كيف أن الكثيرين منكم قد عرفوا واختبروا مثل هذه الفضائع. وكنت أسال نفسي: أين هو حب الله في كل ما يحصل؟ أين هو حبّ الله في ألم الأبرياء، والسجناء المعذبين، وماساة الايتام، وعذاب المرضى، وخوف المضطهدين، وفي بكاء اليائسين، وعزلة الشيوخ المتروكين، والفقراء المرذولين، وفي ضعف من ليس لديه عمل، وفي عذاب أولئك الذين يموتون من الجوع أمام لا أبالية العالم؟
“إذا لم يقم المسيح من بين الاموات، فإيماننا باطل”! لا يجب أن ننسى بان القائم هو المصلوب! لقد عرف معنى أن يكون الانسان مُدان وهو بريء، واختبر الألم الجسدي وخيانة الاصدقاء، العزلة، الجوع والعطش، وأختبر الحقد الأعمى، حتى أنه ظنّ أنه متروك من الله، الذي كان يعتقده أباً له، عندما صرخ: “إلهي إلهي، لماذا تركتني؟” (لوقا 23/ 46). ومع هذا كلّه، وجد القوة للقيام بأظم فعل أيمان، عندما صلى: “أبي، أني أستودع روحي بين يديك” ( لوقا 23/ 46). ورغم كلّ ما حدث، وثق بالله، وآمن بحبّ الآب. فأقامه الله. الحياة غلبت الموت، والحب غلب الحقد. فعندما كان كلّ شيء يبدو منتهياً، كانت البداية الجديدة! هذا هو إيماننا: الحبّ ينتصر على كلّ شيء. المسيح المصلوب قام.

الايمان ينير الواقع اليومي الصعب
كما تعرفون، أن زيارة البابا الأخيرة الى لبنان، حثّ فيها المسيحيين الى التمسك بأرضهم التي كانت الاولى التي شهدت على تاريخ محبة الله بالانسانية وأن علينا جميعاً المساعدة لكي يبقوا فيها. من السهل أن نطلب من الآخرين البقاء، ولكن كيف نقنع أولئك الذين يتواجهون أعتى الصعوبات في كلّ يوم بالبقاء؟ وأعتقد بان هذا الايمان، الذي هو رؤية وجه يسوع في متناقضات الحياة، في صعوباتنا اليومية، يستطيع أن يعطينا القوة للبقاء، وعدم الهرب. فقط من يُحب يسوع المصلوب ويٌسلم نفسه بيديه يستطيع أن يجد القوة والمعنى في الصعوبات وان يتجاوز التجارب. أنا معجب بمسيحي بغداد والموصل وسوريا وفلسطين، الذين هم على أتصال يومي بوجه المسيح المصلوب ويواصلون الرجاء والعمل من أجل السلام لانه يعرفون أنه قد قام! صليب المسيحي يمتد في الزمان والمكان: فهو فادينا، الذي حمل خطايا العالم، وعذابات الانسانية، وينتظر محبتنا.
يقول البابا بندكتوس السادس عشر في رسالة “باب الايمان”: “الكنيسة تتقدم في مسيرتها التي تحفّها الاضطهادات وتعزيات الله وهي تعلن صليب الرب وموته إلى أن يأتي (1 كور 11/ 26). إن عضد الرب القائم من الاموات هو قوّتها التي تساعدها على أن تقهر بالصبر والمحبة النكبات والصعوبات التي تأتيها من الخارج” ( رقم 6).

الايمان بالحب والبدء دوما من جديد
إن العائق الوحيد أمام العناية الالهية هو خطايانا، ورفضنا تتميم ما يريده منّا. وقد يعتقد واحدنا بانه قد ارتكب خطيئة ما في وقت ما والتي لا يمكن غفرانها. لا، حتى وأن كنّا مخطئين يمكننا أن نبدأ من جديد. إذا كان الله يطلب منّا أن نغفر سبعين مرة سبعة مرات، كم بالأحرى هو، الذي كلّه محبة، مستعد أن يغفر لنا؟
يكتب البابا بأن: “سنة الايمان دعوة لعودة أصيلة ومتجددة الى الرب مخلص العالم الأوحد. ففي سرّ موته وقيامته كشف الله بكمال الوضوح عن الحبّ الذي يخلّص ويدعو البشر لأن يبدّلوا حياتهم بغفران الخطايا (أعمال الرسل 5/ 31). ولهذا يجب أن ننظم في هذه السنة احتفال بالتوبة لان تجديد الايمان يدفعنا للوعي أكثر بخطايانا ويجعلنا ننمو في الاعتقاد بأن محبة الله أكبر وأعظم (من خطايانا).
كتب البابا في تعليقه على رسالته “الله محبة” بان الله هو نبع الحبّ الاصيل لكل المؤمنين والعالم أجمع: “فقط حبّ الله هو القادر على تجديد قلب الانسان، وفقط الانسانية المقعدة التي تحتبر هذا الشفاء في قلبها يمكن أن تقوم وتمشي من جديد” (صلاة السلام الملائكي، 19 شباط 2006).
فلنتشجع! لنعيد قول “نعم”للمسيح ولحبّ الآب الرحيم. هذا الحبّ فقط يمكنه أن يعطينا قلباً قادراً على الحبّ والغفران. هذا الحبّ فقط يمكنه أن يحرّرنا من عجزنا وشكوكنا. حبّ الله فقط قادر أن يرفعنا وأن يضعنا على الطريق الصحيح. ضعفاء أو بعيدين أياً كنّا لا يجب ان نستسلم، ففي المسيح، الذي جاء ليُحرّرنا ممن خطايانا، رجاؤنا.
فلنسأل الرب في سنة الايمان هذه ليزيد إيماننا. سنرى الاشياء مختلفة، وسنرى الواقع (حبّ الله) ما وراء الظواهر (الاتعاب البشرية). المسيح المصلوب – القائم هو رجاء اليائسين، ومعزي المهمومين، وفرح المحزونين، وحياة أولئك الذي يختبرون الموت. المسيح أساس إيماننا.

عن بغداد الإيمان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى